Tuesday, October 18, 2005

ثورة الحب-7

كان صيف 1997 مفعماً بالحركة ، كنا جميعا مشغولون في ترتيبات زواج أختي بعد أن تمت خطبتها في شهر أغسطس بعد طول ما عانيناه معها منذ وفاة جدتي من رفضها للخطاب الذين بلغوا حتى خطبتها حوالي 18 عريساً بالتمام والكمال
بالتأكيد لم اكن مقتنعا بسبب رفضها لأي منهم إلا قليلا، مما كان يتسبب في الكثير من الشجار بيننا وكانت والدتي دائما ما تقول لي دعها تختار فهي ستظل مسئولة عن اختيارها إلى الأبد
. أتممنا ترتيبات الفرح وتجهيز المنزل قبل موعد الزفاف بوقت معقول وتم عقد القرآن على يد الشيخ الشعراوى باستراحته بجوار مسجد السيدة نفيسة وكانت تلك المرة الأولى والأخيرة التي أري الشيخ الجليل رحمة الله وجها لوجه
قررت أن ادع أصدقائي"المجموعة " بالجامعة إلى حفل الزفاف وحيث انه لن يتسنى للفتيات الحضور بمفردهن والمكوث حتى تباريح الصباح فقد قمت بدعوة إخوانهم وأخواتهن للحضور
كان يوما جميلا حقاً ، نادراً ما تصادف يوما لا يمكن أن تنسى كل تفاصيله حتى الدقيق منها. كنت اقف لاستقبال المدعوين حين أقبلت علىَ بثوب السهرة الأسود الرائع الذى كان يبرز أنوثتها الطاغية ، كنت قبل ذلك اليوم أدرك أنها جميلة ولكن لم أدرك أنها فائقة الجمال والروعة إلا ذلك اليوم فقط ؛ صافحتها وأخوتها واصطحبتهم إلى حيث مكان جلوسهم وبعد انتهائي من استقبال الجميع وبدء وقائع الحفل اخترت أن اجلس على نفس المائدة التي كان يجلس عليها أصدقائي غير بعيد عن محبوبتى السرية أثناء الحفل جاءت والدتي ورحبت بأصدقائي ثم أخذتني من يدي إلى خارج القاعة وقالت لي "عقبا لك أنا عايزة افرح بيك أنت كمان بقى " ثم أردفت تمزح" قوللى بقى ؟ عينك على من فيهم؟
اجبت مستنكراً "اية اللي أنتي بتقولية دة ياماما إحنا في اية ولا في اية ، ،،،،ولا حد طبعاً"؛ أضافت " بس البنت اللي قاعدة على اليمين مانزلتش عينها من عليك"و أشارت إلى فتاتي
تجاهلت الجملة الأخيرة وطلبت منها أن تسرع في الدخول لان المدعوين يسألون عنها
لاحظت فعلا إنني لست وحدي من يتابع أحدا ، بل أن محبوبتى كانت ترمقني بنظرة خفية كل عدة دقائق ولم أدرك ذلك إلا بعد مقولة والدتي ولكنني لم أعر لذلك اهتماماً قط اعتقادا منى أنني أبالغ وان نظراتها تلك لا تعدو عن كونها طبيعية أمضينا يوما جميلا حقا وانتهى الحفل قرب الرابعة صباحاَ وبالطبع لم يكن ممكنا أن اذهب إلى الكلية في الصباح
بعدها بيومين التقيت بالأصدقاء وتحدثنا عن الحفل وكيف أن الجميع استمتعوا بوقتهم
وقتها لمحت نظرة حزن تنتاب فتاتي ، وحين سألتها عن السبب لم تجبني ونفت أن يكون بها شئ في اليوم التالي استمرت حالة الحزن التي علت وجهها فذهبت إليها وطلبت منها أن اعرف السبب فوافق ولكن طلبت منى ألا أخبر أحدا من الزملاء فوافقت على الفور
قالت أن أحد ما تقدم لخطبتها وهى لا تفكر في الزواج ولا تريد أن تتزوج إلا من يهواه قلبها ، أنها فى حيرة من أمرها فالشاب لا توجد بة عيوب ولا تستطيع أن تجد سبباً للرفض ووالدتها تضغط عليها للموافقة فهو على حد زعمها "عريس لقطة " كما أنها تشعر بتأنيب الضمير لكونها رفضت الكثير ممن تقدموا لها دون أسباب حقيقية " أنا خايفة ربنا ينتقم منى بسبب اللي بعملة في العرسان دول ، ويمكن ربنا يعاقبني ويخلى الإنسان اللي أنا بحبة ما يحبنيش ولا يحس بيا " لفظت تلك الكلمات ثم انفجرت في بكاء شديد يصل إلى درجة النحيب حاولت أن أخفف عنها وأدعمها فقلت لها أن رفضها لهؤلاء شيئا عاديا ويحدث مع كل الفتيات وليس معنى أن العريس لا يوجد به أي عيوب ظاهرية أن يكون مناسب وإن من حقها أن تختار وان الله يعلم ما في صدورنا ولا يمكن أن يعاقبها لمجرد إنها تريد أن تحب من تختاره شريكا لحياتها، ثم أضفت "ثم قولبلة هنا ؟ مين الخمار اللى ممكن يعرف انك بتحبية وما يحبكيش ؟ هة ؟"
فقالت " أرجوك ما تشتموش"؛" إذن فهذه الشخصية موجودة بالفعل ، هي واقعة في هوى أحدهم ولكن الغبي لا يشعر بها ، هل أخطأت حين توقعت أن قلبها خالياً ؟ هل أخطأت حين أحببتها بصمت ؟ هل كنت يجب أن افصح لها عن مشاعري قبل أن تقع في براثن هذا المجهول ؟ في تلك اللحظات بدأت إمبراطورية حبى تتداعى أمام عيني ، وبدأت ألوم نفسي ، ألأم اقل لكي أن حبى لها محكوماً عليه بالفشل ؟ ألم اقل دوما أن حبى لها سيسقط في مهب الريح ؟ كلا ، لا ينفع السكوت الآن لا بد أن أتحقق واعرف من هو هذا الشخص كي ارتاح واضع حداً لظنوني ومشاعري المضطربة ذهبت إلى صديقتها المقربة وطلبت نمنها أن تصدقني القول وتفصح لى عن شخصية حبيب فتاتي المجهول رفضت بشدة وقالت لي أن تلك أسرار صديقتها ووجبت عليها حمايتها أخذت أتوسل إليها أتحايل عليها بشتى الحيل وأقسمت لها أن السر سيظل محفوظاً مهما حدث وبعد أن اكتشفت إنني لن اتركها حتى تخبرني قالت لي " الشخص اللي بتحبة وهوة مش حاسس بيها واحد مننا
من الجروب يعنى ؟؟" تسائلت ايوة واحد من الجروب " جاوبت مستنكرة للحظات أخذت استعرض كافة أفراد المجموعة الذكور لكي اكتشف من هو هذا الشخص مستبعدا ً نفسي دوما من الخيارات ، لا حقتنى وقالت " الشخص اللي هية بتحبة يبقى أنــــت " أسقط من يدي وقفز قلبي من بين ضلوعي من شدة نبضاته ، لم أصدق أذني ساعتها ، أنا ؟ أنا ؟ هل هذا معقول إذن فهي تبادلني المشاعر دون أن أدرى كل هذا الوقت وتكتم حبها كما فعلت أنا لم اصدق ، مزيج من المشاعر الغريبة انتابتني ، فرح وسعادة ، تردد وشك ، خوف وترقب ، مزيج من أحاسيس متناقضة أفقدني اتزاني قررت أن اذهب إلى حيث تقف و أواجهها ، لا مفر من المواجهة ، لا بد أن أضع حداُ لما تحملته أنا وهى من العذاب طوال السنوات الماضية ذهبت نحوها أؤخر قدما واقدم الأخرى حتى وقفت أمامها أحملق فيها وقلت " على فكرة ، الحمار اللي أنتي بتحبية هو كمان بيحبك ونفسة يقولك كدة من زمان بس مش عارف"؛ انفرجت أساريرها بغتة ونظرت لي نظرة غريبة ثم ضحكت ضحكتها المميزة وقالت : " ما تقولشى علية حمار " ثم أضافت " بجد ، هو كمان بيحبنى " أومأت برأسي إيجابا تكلمنا يومها كثيرا عن أحلامنا ، عن أسرنا ، أخبرتها بأشياء لا يعلمها أحد عنى ، كنت اشعر بسعادة بالغة وأنا معها ، شعور لم أصادفه من قبل قررت أن أكون صريحاً معها من البداية ؛أخبرتها أن علاقتنا يجب أن تظل كما هي أمام الناس والزملاء وفي إطار الحدود الطبيعية حتى لا تتناول علاقتنا الألسن المحيطة بنا أخبرتها أنني لن أتمكن من الارتباط بها إلا بعد أن نتخرج ونعمل أتمكن من إثبات ذاتي وبناءها معنوياً وماديا ً وأنني لن تكون في استطاعتي أن أتقدم لخطبتها إلا حين اشعر أنني على مقدرة أن أؤسس منزلاً مستقلا ووافقت هي على كل ذلك منذ ذلك اليوم ، قبل ثمانية أعوام ، بدأت حكاية حب بريئة بيني وبينها انتهى العديد من فصولها ، أما الحكاية ذاتها فلا نهاية لها ، إنها ................حكايـــــــة العمـــر كــله

Sunday, October 02, 2005

اول ايام رمضان ..................فى البيت الكبير

دائما ما كانت مظاهر استقبال شهر رمضان المبارك والاحتفاء به تبدأ قبل دخول الشهر بعدة أيام كان منزل العائلة يتحول إلى خلية نحل لا تهدأ ، الجميع يشاركون في تجهيز المنزل وتنظيفه ؛شراء المستلزمات من أطعمه وأشربه وغيرها
كانت جدتي رحمها الله تشرف بنفسها على كل صغيرة وكبيرة ولم تكن تسمح للخدم بالقيام بكثير من الأشياء التي كانت تفضل أن تقوم بها بيديها
أما عن التموين والدعم اللوجستى من زبد ومسلى فلاحى و رقاق ودواجن ومخللات وفواكه وخضراوات والذي كان يأتينا من بلدة بالفيوم ، مسقط رأس والد جدتي ، فحدث ولا حرج
كانت المهمة الرئيسية التي أناط بها حين كنت صغيراً هي شراء بقية مستلزمات وليمة أول أيام رمضان مع والدتي ، وبالطبع كانت تعليمات جدتي في الشراء تنفذ بالحرف الواحد
ليلة الرؤية كنا نلتف حول التلفزيون انتظارا لبيان دار الإفتاء عن رؤية الهلال ، وفى نفس الوقت كنا نتابع إذاعة المملكة العربية السعودية لأنها كانت تعلن الرؤية قبلنا . كانت تنتابنا فرحة غامرة حين تثبت الرؤية وبمجرد انتهاء بيان دار الإفتاء تنهال الاتصالات الهاتفية من أفراد العائلة للتهنئة ولا تنسى جدتي أن تؤكد عليهم أن يأتوا غدا مبكراً قبل الإفطار وأنها لن تقبل أية أعذار وتشدد عليهم أن أول يوم هو يوم وليمة البيت الكبير وان ثاني يوم هو يوم الحموات
تلك الليلة، كانت توقظ من لم يستيقظ على صوت المسحراتى الجهوري لتناول طعام السحور ، تضرب المائدة بأشكال مختلفة مما لذ وطاب من الأطعمة على رأسها طبق الفول العتيد وشراب قمر الدين الأصيل وأكواب الزبادي . كنا نتناول طعام السحور جميعاً ونظل مستيقظين حتى آذان الفجر كانت تجلس على سريرها تقرأ ما تيسر من القرآن ثم نصلى وبعدها نغط في نوم عميق
. كنت استيقظ مبكرا فأجد الجميع في المصنع ، أعنى المطبخ ، الجميع منهمكون في أعمالهم مع إشراف مباشر من جدتي . كانت جدتي توكل إلِى مهمة شراء الكنافة والقطائف من أحد المحلات بميدان الجامع ، أحد مناطق حي مصر الجديدة التجارية الشعبية ، وكنت أتطلع دوماً للقيام بهذه المهمة
عقب صلاة الظهر تبدأ روائح الطعام الذكية في الخروج من المطبخ ، أهتف بصوت عالي وبلماضة فجة وأنا أتابع فوازير عمو فؤاد " يا جماعة يالي جوه الرحمة شويه ، في ناس صايمين ، أية الروايح دى ؟؟؟ ما تقفلوا عليكم باب المطبخ
عقب صلاة العصر يبدأ أفراد العائلة في الوصول الواحد تلو الأخر ، وكل عائلة تدخل بهدية بالطبع ، دائما ما كانت تنفرج أساريري حين اعلم أنها حلوى
قبل الإفطار بنصف الساعة يلتف الرجال حول التلفاز لمتابعة حلقة الشيخ الشعراوى رحمه الله فيما تنشغل السيدات بتجهيز المائدة ، بعد انتهاء الحلقة تدعونا الجدة إلى تشغيل المذياع على إذاعة البرنامج العام حيث يصدح الصوت الملائكي للشيخ محمد رفعت رحمه الله وحين تنتهي التلاوة نتوجه جميعا إلى غرفة الطعام حيث يجلس الكبار على المائدة الرئيسية وأجلس أنا مع الصغار على مائدة صغيرة ملحقة وتكون جدتي آخر الجلوس ويكون مكانها على راس المائدة
ينطلق مدفع الإفطار ومن بعدة يٌرفع الآذان ونبدأ في تناول الطعام . أثناء ذلك كنا نستمع إلى دعاء أمين بسيونى والفوازير من آمال فهمي كانت إمارات السعادة والارتياح تبدو على وجه جدتي وهى ترى أبنائها وأحفادها حولها يتناولون الطعام بسعادة غامرة ويزول عنها عناء ومشقة اليوم والإعداد
بعد انتهائنا من الطعام نتوجه لاداء الصلاة ثم نلتف في غرفة الجلوس حول التلفاز وهنا يأتي وقت ما لذ وطاب من الحلوى من كنافة وقطائف وخشاف يزخر بالمشمش والتين و الزبيب وتمر ومكسرات وغيرها . يتجاذب الجميع أطراف الحديث مع جدتي ويشكرونها على "عزومة " اليوم . أخرج مع صغار العائلة بعد تناول الحلوى إلى خارج المنزل لكي نلعب بالفوانيس ، كان اغلب أطفال العائلة يحبون اللهو بفوانيس كهربائية أما أنا فقد كنت مولعاً بالفانوس التقليدي ذو الشمعة فقد كنت مبهورا بانعكاس إضاءتها الضعيفة على الزجاج الملون
يستأذن الرجال في الذهاب إلى صلاة العشاء والتراويح في المسجد المجاور فكنت اترك الصغار وأذهب معهم
نعود فنكمل السهرة حول التلفاز وقرب منتصف الليل يهم الجميع بالخروج فتستحلفهم الجدة أن يبقوا لان السهرة لازالت في أولها ويصروا أن يتركوها لتنال قسطا من الراحة بعد هذا اليوم الشاق
تقف على عتبة الباب تودعهم بنظرة حانية وتقبل الصغار وتؤكد موعد الوليمة الفردية لكل منهم ثم تجرى إلى الشرفة كي تطمئن أن كل منهم ركب سيارته وغادر إلى منزلة في أمان الله
تتوضأ وتدخل إلى حجرتها لتتم قراءة أول جزء من القرآن الكريم ثم تنام وبذلك ينتهي أول أيام الشهر المبارك
لم تتغير طقوس ذلك اليوم بالرغم من مرور الزمن واختلاف الضيوف : اختلاف عددهم زيادة أو نقصاناً ، اختلاف أعمارهم صغراً أو كبراً أو اختلاف توجهاتهم وأفكارهم
لم الحظ أي تبدل لطبيعتها ولا طريقة تعاملها معنا منذ أن وعيت وحتى اليوم الذي صعدت فيه روحها إلى بارئها على مدار عشرون عاماً تقريباً
تظل ذكرى تلك الأيام الجميلة عالقة في الأذهان ونلتمس من هذه الذكريات وقودا لاستكمال مسيرة للحياة
وتظل هي في القلب والعقل.....رحمها الله رحمة واسعة ,أسأل الله أن يمكنني من الحفاظ على تلك العادات الجميلة وتطبيقها في إطار أسرتي المستقبلية بإذن الله
كل عام وانتم بخير وأعاد الله هذه الأيام علينا وعلى الأمة العربية الإسلامية بالخير واليمن والبركة

Free Counters