Tuesday, August 07, 2007

انا والصيف

اعترف أنني ، وعلى عكس الكثيرين ، مخلوقا صيفيا حتى النخاع بالرغم مما يرتبط بة الصيف في الأذهان بحرارة الجو وبالرغم من كوني مولود في احد ليالي الشتاء الممطرة إلا أنني أفضل شهور الصيف عن أي فصل أخر
ربما يرجع ذلك إلى أن الصيف يرتبط بالأجازة الدراسية مما أعطى الصيف ميزة الانطلاق والحرية دون قيود الدراسة الخانقة وربما يرجع ذلك إلى أنني كنت دوما أتوق إلى العودة إلى أحبابي فاحتضنهم والتهمهم التهاما
أحبابي هؤلاء كانوا كتبي ، نعم لا تتعجبوا فبالرغم من أنني انتمى إلى جيل الاتارى وكمبيوتر صخر وسنكلير والجيم
بوى وليس جيل البلاى ستيشن بطبيعة الحال، فقد كنت أهوى القراءة حتى النخاع كانت تمر على أيام اقضيها بالكامل بين دفتي كتاب لا ابرح مكاني إلا لتناول الطعام والنوم وقضاء الحاجة
كانت والدتي تنتهج نهج لا صوت يعلو على صوت الدراسة أثناء السنة الدراسية فكنت ممنوعا من قراءة أي شيء غير كتبي الدراسية بطبيعة الحال وبالرغم من نجاحي في كثير من الأوقات في تهريب كتبي داخل الكتب الدراسية فكنت انتظر الأجازة بفارغ الصبر لأعود بشغف إلى مكتبتي الصغيرة التي احتفظت فيها بكتبي إلى جانب كتب جدي واخوالى في بيت جدتي
كنا قد تعودنا منذ نعومة أظفارنا أن ننتقل طوال أشهر الصيف إلى منزل جدتي بمنشية البكري حيث تتجمع العائلة كلها
وحيث نكون بالقرب من النادي الذي كنا نرتاده يوميا لأداء التدريبات الرياضية وكنت منضما إلى مدرسة كرة السلة والسباحة والنشاط الثقافي
تعودت أن اخرج من المدرسة آخر يوم من أيام الدراسة إلى منزل جدتي بدلا من منزلنا ويالسعادتى بوجودي في منزل جدتي وما ارتبط بة من زيادة المصروف والمنح التي لا ترد والهدايا والحلويات
ويالسعادتى بعودتي إلى القراءة ، كان سبب تعلقي الأولى بالقراءة ألغاز المغامرين الخمسة للكاتب العظيم محمود سالم والتي كانت تصدر عن دار المعارف منذ ستينات القرن الماضي والتي أهداني ابن خالي احد أعدادها خلال أجازة الصف الثاني الإعدادي ومن يومها وعلى مدار خمس سنوات متصلة أدمنت قراءتها . كانت جميلة لدرجة أننا كنا نبحث عن أعدادها القديمة كمن يبحث عن إبرة في كوم القش فلم تكن تصدر منها سوى أعداد محدودة جديدة
من كثرة شغفي بهذه الألغاز كونت مع أبناء خالي فرقة عمليات بحث للعثور على الأعداد التي تنقص مجموعتي ومجموعتهم وشرائها بأي ثمن وكان بحثنا منصب على عدة مكتبات في مصر الجديدة وخاصة منطقة روكسى ومنشية البكري حيث منزل جدتي ومنطقة الكورية حيث يسكن خالي وكثيرا ما وجدنا ضالتنا في احد الأكشاك التي تبيع الكتب القديمة بجوار سينما نورماندى أو في ميدان سانت فتيما أو كنا نستعين بأقاربنا الأكبر سنا لاصطحابنا إلى سور الأزبكية حيث الكنوز والثروات أو حتى لشرائها من دار المعارف على كورنيش النيل . بعدها بدأت قراءة سلسلة رجل المستحيل وملف المستقبل والعديد من السلاسل الأخرى ثم بدأت قرائتى الأدبية بتوفيق الحكيم وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ألكثيرين وبعدها بدأت قرائتى السياسية بمؤلفات محمد حسنين هيكل ومذكرات المشير الجمسى ، تلك المؤلفات التي كانت تزخر مكتبتنا بها
كان الأحفاد يتجمعون يوميا في بيت جدتي قبل الذهاب إلى النادي ، كثيرا ما لهونا ولعبنا ومثلنا مسلسلات ومسرحيات الفتها وأخرجتها في صالة المنزل وحين نتمادى فتعلو أصواتنا كنا نطرد شر طردة لنذهب فنكمل ما بدأناه في النادي مع أصدقائنا
كانت الحملات التصيفية تنطلق أيضا من هناك إلى المعمورة بالإسكندرية حيث كانت الأسرة تستأجر شاليها كبيرا في مجموعة النصر ، ذلك المجمع البيضاوي بآخر الشاطئ ناحية المنتزه، أو بمجموعة العبور الحرس الجمهوري ، كان الشاليه يضم عدة غرف نوم وصالة وحديقة مفتوحة على الشاطئ كنا نستمتع بلعب الكرة والراكت والمنديل وغيرها أو بنزول الماء وركوب البر سوار
أيامها كانت المعمورة مصيف الصفوة والعائلات والفنانين والسياسيين مثلها مثل مارينا اليوم مع اختلاف القيم والأخلاقيات ، شواطئ نظيفة مياه زرقاء رمال ناعمة ولا أنسى بالطبع أقراص الطعمية الساخنة والزلابية بسكر البودرة التي كنت اذهب يوميا لشرائها من السوق مع جرائد الصباح . لا أنسى أيضا رائحة السمك المشوي والجمبري المقلي وصوت جدتي الموسيقى وهى تدعونا إلى تناول طعام الغذاء بعد عناء السباحة وما يتبع الغداء من مانجو وبطيخ وتين
لا أنسى ايضا أمسيات السهر والايس كريم والفرسكا ولعب الكوتشينة في كافيتريات ونوس أو المعمورة بالاس أو مكسيم او الملاهى
تلك الايام كانت راحة البال والبساطة هي طابعها الرئيسي بدون موبايل أو لابتوب أو فضائيات ويبدوا أن هذه الأيام الجميلة قد ذهبت بلا أمل في العودة

Free Counters